عامر النجار
99
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
. . وفي الجملة فإنه الشئ الذي لولاه كانت حالنا حال البهائم والأطفال والمجانين وبه نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهورها للحس فنراها كأن قد أحسسنا ما ثم نتمثل بأفعالنا الحسية صورتها فتظهر مطابقة لما تمثلناه . . . فإذا كان هذا مقداره وخطره وجلالته فحقيق علينا ألا نحطه عن مرتبته ولا ننزله عن درجته ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه ولا وهو الزمام مزموما ولا وهو المتبوع تابعا . . . بل نرجع في الأمور إليه ونعتمد فيها عليه فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه ولا نسلط الهوى الذي هو آفته ومكدره والحائد به عن سننه ومحجته وقصده واستقامته والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه صلاح عواقبه في أموره بل نروضه ونذلله ونحمله ونجبره على الوقوف عند أمره ونهيه فإنا إذا فعلنا ذلك صفى لنا غاية صفائه وأضىء لنا غاية إضاءته وبلغ بنا نهاية ما قصد بلوغنا به وكنا سعداء بما وهب اللّه لنا من ومنّ به علينا ! ! . . . وإننا نجد في الطب في الدولة الإسلامية مدرستين بارزتين : الأطباء الفلاسفة والفلاسفة الأطباء . . . الأطباء الفلاسفة ويمثلهم أبو بكر الرازي ، والفلاسفة الأطباء ويمثلهم ابن سبنا . . . . وكما يقول جورج سارتون : « وهما يمثلان مذهبيين مختلفين ، ففريق المدرسيين « ابن سينا » درسوا الطب على أنه جزء من المعرفة لا غنى عنه ، أما فريق الممارسين « الرازي » فهم يهتمون في المقام الأول بالمرض والتشخيص والعلاج ، الفلسفة لديهم مجرد وسيلة للوصول للغاية وأسلوب الفريقين يختلف : المدرسيون يعنون بالتنظيم والتقسيم المنطقي والممارسون يعنون بالمشاهدات والدلالات » « 1 » .
--> ( 1 ) سارتون : . . مقدمة تاريخ العلم : المجلد الأول ص 587 .